اسماعيل بن محمد القونوي

330

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( كل سبط ) إشارة إلى أن كلا هنا لإحاطة النوع لا لإحاطة الأفراد الشخصية بقرينة المقام والمعنى قد علم كل نوع وصنف من الأسباط والقصة تدل على أن المراد بأناس ليس جميع الناس بل الناس الموجودون مع موسى عليه السّلام وهم الأسباط وأيضا تدل ثنتا عشرة عينا على أن المراد نوع سبط لا كل فرد فرد السبط هو الحفيد يريد به حفدة يعقوب عليه السّلام وهذا مراد من قال السبط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب وهذا العلم حاصل لهم بتعيين موسى عليه السّلام وما مر من شذوذ إثبات همزة أناس إنما هو مع الألف واللام كالأناس إلا مينا وأما بدونها فشائع في فصيح الكلام والمشرب اسم مكان ويدل عليه قول المص عينهم وكونه مصدرا ميميا بمعنى الشرب لا حاصل للعلم به وجملة قد علم حالية وذو الحال اثنتا عشرة وهو كقولهم جاءني زيد والشمس طالعة فلا يحتاج إلى تقدير العائد ولو كان صفة لاثنتا عشرة لاحتيج إلى تقدير العائد وأيضا الحالية تفيد مقارنة العلم بالمشرب للانفجار دون الصفة وافراد العين في قوله عينهم لإرادة الجنس ولفظة منها في منها إما للابتداء أو للتبعيض أي من بعض مائها ( عينهم التي يشربون منها ) . قوله : ( على تقدير القول ) أي قلنا لهم بلسان نبيهم وأما تقدير قال لهم موسى فلا يلائم السوق إن أريد من عند نفسه . قوله : ( يريد ما رزقهم اللّه من المن والسلوى ) ناظر إلى الأكل ( وماء العيون ) ناظر إلى قوله : على تقدير القول أي قلنا أو مقولا في حقهم كلوا واشربوا . قوله : يريد به ما رزقهم من المن والسلوى يعني أن الرزق يطلق على جميع ما يعطى العبد يقال رزق المال والولد والعلم وغير ذلك بحسب المقام وخص ههنا بالمأكول الذي هو المن والسلوى وبالماء من المشروب بقرينة قوله قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وقيل المراد من رزق اللّه الماء لأنه ينبت منه الزرع والثمار فهو رزق يؤكل منه ويشرب وعلى هذا كان مقتضى الظاهر كُلُوا وَاشْرَبُوا منه أي من المشرب لكن لما كان الماء مما لا يؤكل كان استعماله في المأكول مجازا وفي المشروب حقيقة ويلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز فذكر الرزق الذي هو أعم ليتنا ولهما بعمومه دفعا لذلك وكان لفظ الرزق من وضع الظاهر موضع المضمر لكن مما يدل عليه اللفظ قيل وفي هذا القول ضعف بوجهين أحدهما أنهم ما كانوا يأكلون في التيه من ذرع الماء وثمره فلا يكون ذكر ما يدل عليهما ملائما للمقام والثاني أنه لو كان كذلك لما طلبوا ذلك بقولهم يخرج لنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها ولا يلتئم قولهم : لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ [ البقرة : 61 ] لا أن يحمل من رزق اللّه على المن والسلوى وفيه نظر لأنه ليس المراد أنهم كانوا يأكلون من ذلك وإنما المراد أن المراد من رزق اللّه الماء لأن سوق الكلام في هذه لبيان الماء وكونه نعمة عند العطش لقوله تعالى : وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ [ البقرة : 60 ] وأما نعمة الأكل فقد ذكر قبلها بقوله : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [ البقرة : 57 ] فعلى هذا كان مقتضى الظاهر أن يقال اشربوا الماء ولا يذكر معه كلوا واللّه أعلم إشارة إلى أن الامتنان بنعمة الماء وشربه على وجه الصحة لا يتم إلا بعد الأكل وذكر الرزق مكان الماء وضعا للظاهر موضع المضمر باعتبار أن الماء منبت الرزق تعظيما لشأنه كما في قوله كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما